الأحد، 25 فبراير 2018





 المقاربات المنطقيّة وأثر تغييبها في تدريس النحو العربيّ

الجامعات اللبنانيّة "أنموذجًا"
تشير معظم  الدراسات النحويّة الحديثة ، في معظم الجامعات العربيّة، إلى أنّ طرائق تدريس النحو العربيّ تفتقر إلى منهج علميّ يفسّر نظريّات اللغة في ضوء القوانين النحويّة المنطقيّة، فهذه الدراسات لا تحرّض الفكر على التحليل والتعليل والتقسيم والربط، ولذلك تبدو العمليّة التعليميّة نوعًا من الحفظ والاستذكار، فإذا ما شكّ طالب في قضية ما، أحيل الخطأ على الأولين من الناطقين بالعربيّة، وتسلّح الأستاذ"ة" بسلطة الرواية "هكذا قالت العرب"، أو تكون دعوة إلى التحرّر من التعقيدات النحويّة بحجّة التطوير والتحديث.
يؤكّد واقع تدريس النحو في الجامعات اللبنانيّة أنّ المناهج تحتاج إلى النظام، والترتيب، وإلى إعادة النظر في الآراء الجديدة التي يحرص بعض النحويّين على تثبيتها في أذهان المتلقّين حقائق ثابتة، من دون أن يقدّموا دليلاً علميًّا، أو حجّة منطقيّة، والسبب، في رأيي، يكمن في جهل الأصول النحويّة، أولاً، وفي غياب أدوات المنطق الرياضيّ التي تقوم عليها قوانين النحو العربيّ، وهذا بيّن في معظم الكتب المنشورة في العالم العربيّ.
يسعى بعض أساتذة النحو العربيّ إلى تبسيط النحو، وهذه قضية تستحق المتابعة، ولكنّ عملية التبسيط لا تكون بإلغاء الأسس، أو بالتبعية، لأنّ لكلّ لغة نظام تعالق عناصر مرتبط بمنطق تفكير مبتكري قوانين تشكيل التراكيب التي تمنح اللغة الخصوصيّة والاستمرار، فاللغة الفارسيّة، مثلا، فيها كم كبير من المفردات العربيّة، ومع ذلك لا يستطيع السامع غير المتقن قواعد اللغة الفارسيّة أن يفهم مقاصد المتكلمين.
دعا بعض اللغويين المعاصرين، ومنهم ابراهيم مصطفى، إلى إلغاء مصطلح الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ، وتوظيف مصطلح واحد هو المسند إليه، أو مصطلح الموضوع، وكذلك دعوا إلى توظيف مصطلح المُسند، أو المحمول، وإلغاء مصطلحي الفعل والخبر،  وأهمل هؤلاء الوظيفة الدلاليّة لكلّ مصطلح من المصطلحات التي ابتكرها علماء النحو الأوائل الذين أسّسوا لنظريّة الإسناد. 
 إنّ مناهج  تدريس النحو مُفرغّة من مقومات المنهج الاستنباطيّ /البرهانيّ، فهي تكشّف عن اتساع الهوة بين النظرية والتطبيق، وتظهر تدني الفكر التحليلي، وعجز الطلاّب عن تذكر المعلومات النحويّة، وعن غياب المهارات، وعن تعطيل شبه تام للفكر الاستراتيجي الناقد، لأنّ علوم النحو بالنسبة إلى الطالب قضايا غيبيّة يستدل إلى صعوبتها وتعقيداتها بالسماع والنقل والرواية من دون تمحيص أو محاولة في تقريب المفاهيم النحويّة من الإدراك الواعيّ.، لأنّ علم النحو أقصي عن خصائصه العلميّة وصار قواعد تُعلّم من دون فهم العلاقات المتبادلة والمتكافئة بين قوانين
كشفت عملية إحصاء الأخطاء اللغويّة والنحويّة لطلاّب الإجازة والماستر المنتسبين إلى قسم اللغة العربيّة وآدابها عن ضعف التفكير المنهجي عند الطلاّب، وغياب المحاكمة العقلية، و عن عجزهم عن الشك وطرح الأسئلة، فالطلاب يقدّمون أجوبة تفتقر إلى أبسط مقوّمات المنطق، فلا يميّز عدد كبير منهم بين الاسم والفعل والحرف، ومن هذه الأخطاء على سبيل المثال لا الحصر:
-إعراب كلمة أيّها في قوله تعالى: يا أيّها الذين آمنوا" اسم استفهام،
-إعراب كلمة "يقولُنّ" اسمًا
إعراب فعل" أكون" مضافًا إليه،
إعراب فعل" حكت" مفعولاً به، أو مضافًا إليه.
-حتى أكون= حتى حرف جر- اكون اسم مجرور وعلامة جره الفتحة
- أكون فعل ماض مبني على ثبوت النون لأنه جمع مذكر سالم
-آمنوا= فاعل مرفوع وعلامة رفعه حذف النون
-أكون = اسم كان
 وهذه الإجابات لا تبشّر بإيجابيّة على مستوى التفكير والتحليل والتعليل والبرهان. فماذا أنتجت مناهج تدريس النحو الحديثة؟
يرتبط تحسين واقع اللغة العربيّة بتفعيل أدوات التفكير المنطقيّ، فيستطيع المعلّم والمتعلّم أن يشعرا بالمشكلة ليكونا قادرين على طرح الأسئلة، وابتكار الفرضيات، وعلى استنباط المعطيات التي تساعد في إنتاج إجابات صحيحة ومنطقيّة.
إنّ مناهج تدريس  النحو الحديثة ما زالت مقصّرة عمّا رسّخه علماء اللغة الأوائل، وعاجزة، في الوقت عينه، عن تفعيل دور المنطق في مقاربة مسائل النحو وقضاياه، وهذا بيّن في محتويات كُتب تؤكّد الإعادة والتكرار والغلو والمبالغة في إنكار البنية المنطقيّة للنحو العربيّ، نتيجة أحكام ومسبقة ومؤثرات خارجيّة تحرّض على إلغاء الأسس المنطقيّة التي بني عليها النحو العربيّ، ولذلك سيكون السعي الدائم من أجل التأسيس لدراسات نحويّة منطقيّة رياضيّة، قوامها البدهيات والمعطيات والثوابت والمتغيرات والمقدمات والتعريفات والقياس  الاستنباط والاستنتاج.
أ.د. مها خيربك ناصر
أستاذة الدراسات العليا- الجامعة اللبنانيّة

























ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق