الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

الشباب الجامعي وخطر الارتهان الثقافيّ

الشباب الجامعي وخطر الارتهان الثقافيّ 
الواقع والمرتجى

أولاً: فاتحة البحث
تكشف عملية إحصاء سريعة إقبال الشباب العربيّ على التعليم الجامعي، وهذا النمو العددي يُلقي على الجامعات واجبات تعليميّة وتثقيفيّة تتضخم يومًا بعد يوم، وتفرض على الجامعات تكثيف مهماتها التربويّة، لتعدّ أجيالاً محصّنة بالقيم الاجتماعيّة والوطنيّة والإنسانية، وبخاصة في عصر تُحرك مساراتِه الحضارية أهدافٌ معولمة، غايتُها إلغاء التعددية الثقافية، وفرض أحادية نمطيّة على المستويات الاجتماعيّة والإنسانيّة جميعها.
إذا كانت مهمة الجامعات منحَ الطلاّب شهادات جامعيّة تخولهم الدخول  في معترك ميادين العمل الوظيفيّ، فهي، في الوقت عينه، يجب ألاّ تكون مصنعًا لتصدير الشهادات، ولا مركز ضخ وظائفيّ يُتخم سوق العمل، بل يجب أن تكون مختبرًا معرفيًّا يتمايز  بـ:
- سلامة الوسط  الذي يضمن تحفيز سلطات العقل المُحصَّنة بحرية التعبير، و المؤسسة على ثوابت قيمية وطنيّة وإنسانيّة.
- أدوات تربويّة وتعليميّة أصيلة قابلة للتجدد، بمعنى آخر أدوات معرفيّة تنغرس في أصالتها بقدر ما تحرّض على التواصل والتفعيل والتجديد.
- خصائص أساس لمهمة نهضويّة تتبنى إنتاج معادلات حياتيّة فكريّة وحضاريّة و إنسانيّة، غايتها تحديث المجتمعات وتطويرها من الداخل.
  تطرح هذه المعطيات أسئلة تشي بالشك أكثر مما توحي باليقين؛ بوصفها معطيات تفتقر إليها البرامج التعليميّة الجامعيّة في معظم البلدان العربيّة، لأنّ مؤسسات التعليم الجامعيّ قلّما تضع في مركزية أهدافها وبرامجها خططًا تحرّض على تطوير الشخصية العربيّة من الداخل، وعلى الإيمان بسيادة العقل، وعلى جعل العملية التعليمية خيارًا حتميًّا موسومًا برغبة معرفيّة تتمايز باحترام الأصول، بقدر ما تطمح إلى تطوير الأساليب وتوسيع المدارك وتحقيق الكفايات.
ينبثق عن هذه المعطيات عدد من الأسئلة حول قضايا التأهيل الجامعيّ في الوطن العربيّ، وهذه الأسئلة بدورها تفرض إتباع منحى علميّ يُعرّي الواقع التربويّ و يكشف المعوقات، ويوصّف الإشكالية،  ويحلّل عناصرها، ويفسّر مظاهرها؛ سلبًا وإيجابًا. وربما كانت الأسئلة الأكثر إلحاحًا:
_هل استطاعت المؤسسات الجامعيّة العربيّة أن تتبنّى إيجابيات العولمة الثقافيّة والتربويّة وتجعل الشباب العربيّ فاعلاً في حركة العولمة أم منفعلاً؟
_هل وضعت هذه المؤسسات خططًا تضمن توازنًا بين القيم المعرفية التربوية الأصيلة ومفاهيم الغزو الثقافيّ الوافد؟
_كيف تتمكن المؤسسات التربويّة من تحقيق نجاح مهمتها الاجتماعيّة والوطنيّة والثقافيّة والإنسانيّة، وتضمن حرية التعبير والتفكير؟
_ما هي الخطط العمليّة التي تقدّم ضمانات تعِد  بحماية أسواق العمل العربيّة من تضخم في العرض وتراجع في الطلب؟
 _كيف تتم معالجة تقلُص فرص العمل وتزايد أخطار نسبة بطالة، أبطالها متعلمون؟
- ما هي البدائل الأصول التي تتبناها المناهج الجامعيّة تعويضًا عن الأشكال الفكرية الوافدة و الجاهزة؟
-ما هي الأسس الفكرية السليمة التي تدخل الشباب العربيّ في نشاط حداثيّ من دون تبعية أو ارتهان؟
إنّ الإجابة الموضوعية تقتضي توصيفًا دقيقًا للواقع الجامعيّ، وكشف المسكوت عنه سواء أكان إيجابيًّا أم سلبيًّا.
ثانيًا:الواقع الجامعي /فرضيات وأسئلة
تتسابق المؤسسات الجامعية إلى وضع خطط تعليمية تضمن اعترافًا دوليًّا بالشهادات التي تمنحها الجامعات الحكومية والخاصة، وتُشكّل لجان تدرسُ الخطط وتحدّد المسارات العلميّة، من دون أن تراعى حاجات سوق العمل، أو القيم المعرفيّة وتواصلها أو وتكاملها وتقاطعها، أو تداخلها و تأثير بعضها في بعض، لأنّ معظم البرامج الجامعيّة التخصصية لا تنبثق عن دراسة ميدانية، تقرّر طبيعتها الطاقات والحاجات، بل عن برامج وضعت على شبكات الانترنيت،  واعتُمدت نموذجًا لتوصيف مناهج معظم الجامعات العربيّة، وذلك لسببين رئيسين، أولهما؛ الشعور بالعجز، وثانيهما؛ الانبهار بكلّ وافد جديد، من دون معرفة إيجابياته وسلبياته، أو تحديد نتائجه المرتقبة غير المتناقضة.
مما لا شكّ فيه أنّ التكنولوجيا الحديثة تضع المعلم والمتعلم أمام خيار لا بدّ منه، وهو الدخول في عالم الانترنيت وعولمته، من أجل مواكبة حركية الحياة وتطوّرها، ولقد صار الانترنيت من مكوّنات بنية النظام الداخليّ لمعظم المؤسسات التربويّة في العالم العربيّ، ولكن ما هو موقع كلّ من المعلّم والمتعلّم على جدول النهضة التكنولوجيا المعاصرة؟ وهل حقّق المثقف العربيّ حضورًا فكريّا على مستوى هذه النهضة العالميةّ؟ وهل أثبت وجودًا فاعلاً في مسارات حركة العولمة؟
إنّ طرح هذه الأسئلة، أو أي سؤال مشابه، يأتي جوابه مقرونًا بالاستخفاف بالموروث العربيّ، أو بتقديسه، لأنّ الموروث العربيّ في نظر بعض الدارسين يعيق التقدم العلميّ والتكنولوجيّ وليس صالحًا ليدخل في بنية المناهج التعليميّة الحديثة،  وفي نظر بعضهم الآخر، هو موروث مقدس غير قابل للنقد أو النقض أو التفعيل، وهو الجدير، وحده، على إنضاج التجربة المعرفيّة المعاصرة؛ وفي الحالتين يصير التراث عاجزًا عن مواكبة التطور الحضاريّ والتكنولوجيّ، وهذا ما يهدّد بتصدعات بنيوية، يكثر معها التنظير، وتتشعّب التأويلات.
يخلق الصراع بين سلطة التكنولوجيا المعولمة وسيادة الموروث الثقافيّ مجموعة من الفرضيات غير القابلة للبرهان، ولكنّها قابلة للقبول أو الرفض، فإذا كان فريق ما يؤمن بعولمة الثقافة، فهل يعني ذلك أن تسيطر ثقافة العولمة وتُلغى الهويات الثقافية؟ وإذا كان فريق آخر يؤمن أنّ الحضارة فعل تراكمي تشارك فيه الأمم، فما هو دور الجامعات العربيّة في تشكيل اللحظات الحضارية المعاصرة؟ وإذا كان بعض المتفائلين يؤمنون بقدرة المؤسسات الجامعية على تحرير الطالب العربيّ من صنمية الإعادة والتكرا، فهل تضمّنت المناهج الجامعيّة خططًا تربويّة تساعد على تحسين واقع عربيّ مشحون بالضياع والاعتباطية؟
الفرضية الأولى:عولمة الثقافة/ثقافة العولمة
إذا كانت العولمة حركة تهدف إلى إلغاء الحدود والحواجز، وتدعو إلى التفاعل والتبادل المعرفي والتعاون والتنافس، وتحارب الأصوليات، (لأنّها، من منظور حداثي معولم، ضد التنوع والتعدد، وتطمح إلى السيطرة، ولها وحدها الحق في استخدام القوة ونفي الآخر)، فالعولمة ،أيضًا، تضمر في طروحاتها الثقافيّة والاقتصاديّة والتربويّة أصولية مُقنّعة، لأنّ الأهداف المسكوت عنها لا تتناقض والفكر الأصوليّ الهادف، في رأيهم، إلى إلغاء التنوّع والتعدّد، ومن ثمّ القضاء على خصوصية الثقافات غير الأصوليّة.
  أمام هذا الغزو الثقافيّ الهادف إلى إلغاء الأصول المعرفيّة، وأمام طروحات أصوليّة، لها غايات وأهداف، لا تتناقض كثيرًا وأهداف العولمة غير المنظورة،  تتخلى الجامعات عن دورها في تحصين قيم الإنسان العربيّ، وعن واجبها في تفعيل دور العقل، ويُترك الطالب الجامعيّ معزولاً عن أصالةٍ فكريّة، معرفيّة، إنسانيّة، تكسبه مناعة ثقافيّة قادرة، وحدها، على إعاقة تسلل أخطار العولمة، وعلى التخفيف من مخاطر الانقياد إلى أفكار تحرّض على إلغاء الآخر، وعلى التقليل من احتقار الذات أمام ما تطرحه نظريات ما بعد الحداثة.
إنّ الإنضواء تحت عباءة  معولمة، أو أصوليّة، أو ما بعد حداثيّة، يدخل  الطالب العربيّ في حالة من التخدير والعزلة، لأنّ التبعية، والانقياد إلى أيّ تيّار يسعى دعاته إلى تكريس أحقيته في استخدام القوة، وفي نفي الآخر ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، يؤديان، حتمًا، إلى إضعاف القدرة على التفكير السليم، ويعطّلان أدوات المنطق العقليّ، ويقودان المجتمعات إلى نزاعات وصراعات مدمّرة للفرد والمجتمع، وهذا ما تبدو علاماته واضحة في معظم المتحدات العربيّة، وبخاصة الثقافيّة والاجتماعيّة، هذه المتحدات التي انشغلت بشكل الحدث، وأغفلت جوهره وفاعليته، فسقطت تحت تأثير مصطلحات معولمة تستقرضها من شبكات عنكبوتيّة توهم المتلقي العربيّ بأنّه دخل عالم ما بعد الحداثة الفلسفيّ/ التكنولوجيّ، غير أنّ الحقيقة تؤكد الانزلاق إلى سعير الاستهلاك الماديّ، والفراغ الفكريّ.
فرض الواقع الجديد، المسمى زمن ما بعد الحداثة، شعورًا بعجزٍ فكريّ، كان من تجلياته تراجع  مناعة الشباب الجامعي أمام مغريات تزينها شبكات الانترنيت،  ومن ثمّ تشتت في الأفكار، وضعف في الانتماء، فكثرت السبل لتحديد خيارات لا بديل عنها، وتنوّعت الطروحات والأفكار التي يتبنونها، والتي غالبًا ما تكون متمظهرة بالجدة والحداثة، ولكنّها، في حقيقتها، دعوة مبطنة إلى التخلي عن الأصول، فكيف تكون حداثة من دون أصل تنبثق منه؟
إنّ الدخول في عالم شبكات المعرفة أمرٌ ضروري، لأنّه يسهّل عملية البحث العلميّ والتواصل المعرفيّ مع الحركات الثقافيّة في العالم؛ ولكنّ ما هو معتمد، حقيقة، لا يقدّم الخدمات العلميّة المطلوبة، لأنّ  المعلومات تُنسخ، وتّقدم  بحوثًا أكاديميّة، من دون فهم روحيّة العمل، فتأتي النتيجة سلبيّة، علميًّا وأخلاقيًّا؛ ويخسر الباحث  دوره في تنشيط  آليات التعليم الإجرائيّة، ويلغي خصوصية هويته الثقافيّة تحت كمّ تراكميّ من الأفكار المستوردة وغير المتجانسة، وغير الواضحة.
 يعتقد بعض الدارسين والمدرّسين أنّ توجيه الطالب إلى الانترنيت للحصول على معلومة يُدخل الطالب في حركيّة الحضارة العالميّة المعاصرة، ولم يتنبّه بعضهم إلى أنّ التشجيع، إذا لم يتزامن مع تعزيز دور العقل العربي،ّ فقد تتشوّه  بنية المكون الثقافيّ، وبخاصة أنّ  ما يُطرح على شبكات الانترنيت لا يُقدم صورة مشرقة عن الواقع الثقافيّ العربيّ، بل يمعن في تشويهه،  ويكشف  للطالب/ الباحث اتساع الهوة بين ما يقدّمه الفكر العربيّ، وما يقدّمه الآخر المتفوّق في مجال التكنولوجيا والمعلوماتيّة، والاتصالات، وأساليب البحث العلميّ، فتأتي النتيجة مزيدًا من الشعور باحتقار الذات، وتعظيمًا لفكر الآخر الذي تجاوز الفكر العربيّ إبداعًا وحضورًا معرفيًّا، ويتضاعف الشعور بالعجز عن مواكبة التطور ويكتفي بالنقل والتقليد، وتكثر المساوئ الناجمة عن خطر سكونية التفكير، لأنّ الطلاّب الجامعيين يستنسخون أبحاثًا، تمّ العثور عليها في مواقع علميّة،  وقدّموها فروضًا، من دون أي مجهود ذاتيّ.
لقد تحوّلت العملية التعليميّة، في الواقع المعولم الجديد، إلى نوع من التضليل، يمارسها كلّ من المعلّم والمتعلّم، فإلى جانب أستاذ جامعيّ يمارس هروبًا من التأصيل المعرفيّ، أستاذ آخر يرفض أيّ جديد وافد، فالأوّل يُقنع طلاّبه بعجز الموروث، لكونه يتناقض وحركيّة الثقافة العالميّة التي تعجز اللغة العربيّة عن احتضانها أو تبنيها،  والثاني يقنع طلاّبه، أيضًا، بأنّ كلّ وافد، غايته الإلغاء والتبعية الثقافيّة، من دون أن يعمل على فهم أدوات المعرفة الجديدة الوافدة، أو أن يوظّفها في تخصيب الموروث العربيّ، أو يبدي رغبة في الإفادة من مسارات الحركة الفكريّة المعولمة، بما لا يتناقض وبنية العقل العربيّ.
لقد فرضت العولمة واقعًا ثقافيًّا جديدًا، وكذلك الأصوليّة، وهذا الواقع لا يمكن تغييره إلاّ إذا قامت الجامعات بدور رياديّ يخفّف من أخطارهما، ومن أصوليتهما ورغبتهما في السيطرة، فتتبنّى الجامعات في مناهجها إيجابيات العولمة الثقافية والتربوية، وكذلك الأصول الفكريّة المحرّضة على التأسيس والخلق والإبداع، ليكون الشاب العربيّ فاعلاً في هذه الحركة الكونيّة، وليس منفعلاً؛ وذلك بتحريض قدراته، وبتشجيعه ليكون مشاركًا في صنع الحضارة، وفق رؤيا ثقافيّة عربيّة قادرة على التأثر والتأثير، وعلى توظيف خصوصيتها في إنتاج الأشكال الثقافيّة الأكثر حداثة وفاعلية في الآتي.
 الفرضية الثانية: الفعل الحضاريّ وكونية الحدث
تؤكّد الدراسات أنّ الحضارة ليست نتاج أمة واحدة، بل هي حصيلة تراكم معرفيّ كونيّ، فهي بمعنى آخر مشتركة وعالميّة وشاملة، وتضمر في مركزية بنيتها تواصلاً معرفيًّا، تتقاطع فيها بنيات المجتمعات عموديًّا وأفقيًّا، بوصفها بنية عامة وليست أجزاء مبعثرة لها كيانات مستقلة، ولكن لا بدّ لأيّة حضارة من بنية ذاتية / عامة، لها شخصيتها المعنوية المتمظهرة في مستويات التقدم العلميّ و التقنيّ والأدبيّ، وفي أشكال إبداعية تتسم بالذاتية والشمولية في اللحظة عينها.
يحتاج الحدث الحضاريّ القوميّ/الكونيّ، اليوم، إلى وسط جامعيّ علميّ ثقافيّ تربويّ يحرّض على الشك والسؤال والبحث والاستنتاج، ويضمن جودة أدوات التجربة الفكريّة، لأنّ الجامعة هي مركز معرفيّ، حضاريّ،
إنسانيّ، أساس في أيّة عملية خلق جديد وفاعل، فهي، من جهة، ملتقى للتواصل والتفاعل والانفتاح على الآخر، ومن جهة أخرى، ضمانة لسلامة التفكير والجودة، وحصن لاستمرار القيم الاجتماعية والثقافيّة، لأنّ التفكير السليم هو فعل أخلاقيّ حضاريّ، تعززه الجامعة بمنظومة من القيم الأخلاقيّة والمعرفيّة؛ لتكون نواة لأيّ حدث حضاريّ أكثر جدة، وهذه النواة المحافظة على طبيعة تكوينها، هي، في الوقت عينه، قادرة على أن تدخل في إنتاج عدد لا متناه من عمليات الخلق والتجديد والإبداع والتطوير والتحديث.
إذا كان الحدث الحضاري كونيَّ الأهداف، فهو لا يحقق عالميته من دون وجود أصل ينطلق منه ويؤسّس عليه حداثة أكثر جدة، وتعبيرًا عن حركية الحياة، وتفعيل الأصول يحتاج إلى مناخ ثقافيّ، ترعاه المؤسسات التربويّة والثقافيّة، فإذا تخلت هذه المؤسسات عن دورها، وعن واجبها في تحريض كمون الطاقات الذاتية، كونها خطوة أساس، واكتفت بتوجيه المتلقي العربيّ إلى كونية الحدث، فسوف يخسر الطالب العربيّ المبدع فرصته في إثبات مركزيته وقيمته ودوره في إنتاج المعرفة، و يتحوّل إلى تابع في لعبة أممية معولمة، ربما تُغدق عليه الأموال، ولكنّها تهدد بضياع الهوية وخسارة الخصوصية والانتماء.
للجامعة دور رئيس في تشكيل الحضارة، من منظور كوني، ومهمة وطنية تتجلى في تعزيز علاقة الفرد بمجتمعه ووطنه، من منظور وطني قوميّ، فهي إذ تؤكد في مناهجها  ترسيخ احترام الإنسان لأخيه الإنسان، فإنها، في الوقت عينه، تسعى إلى ضمان التوازن بين القيم المعرفيّة التربويّة الأصيلة، ومفاهيم الثقافة الوافدة، وبذلك تمنح المتعلم طاقة حضور على المستويين؛ الوطنيّ والكونيّ، وتغني تجربته برؤى إنسانيّة شمولية، تتمركز إيجابياتها في التحريض على التمسّك بالقيم، الاجتماعية والوطنية والقومية الأصيلة، وتؤكد على حتمية التفاعل مع الآخر من أجل المشاركة في تنشيط الفعل الحضاريّ.
الفرضية الثالثة:جودة المحتوى الثقافيّ / التخطيط و النتائج
لما كانت الثقافة أهم مكوّن في بنية التعليم الجامعيّ، فإنّ مهمتها الأساس تكمن في وضع مناهج تربويّة تجعل من الطالب إنسانًا مثقفًا وعضوًا ناجحًا في ساحات العمل، فتساعد هذه المناهج على ربط أشكال المعرفة وتوظيفها في تحصيل الثقافة وتقديم الإنجازات.
يعتقد بعض المنظرين أنّ المناهج الأكثر نجاحًا هي المناهج التي تقدّم مشروعا ثقافيا شموليًّا كونيّا، ولكن لا قيمة لمشروع شموليّ، إنّ لم يكن مؤسسًا على أصول تساعد على استشراف المستقبل، ويُحدِث، في الوقت عينه، نقلة نوعية على صعيد التقدم التكنولوجيّ الذي يعمل على تقليص المسافات بين الجزر المعرفية، وذلك بفتح مسارات ثقافية متنوّعة تحرّر من التنميط، وتحسّن طرق التأهيل القادرة على توسيع آفاق العلم وشحن جوانبه بثقافة شمولية تضمن استقامة العملية التربوية، وتحميها من التضليل، وتكسبها طاقة معرفيّة، قوامها منطق علميّ يحدّد الفروقات بين أبعاد الغايات ومراتب القيم.
بهذا المعطى يجب أن تتحوّل المناهج التربوية في جامعاتنا العربية عن ثقافة الذاكرة إلى ثقافة وجود، فيستطيع المتلقي أن يتحرّر من جمودية الإعادة والتكرار، ومن الارتهان النفسيّ والفكريّ، وذلك باعتماد ثقافة تحرّض على الخلق والإبداع وتجعل من الطالب الجامعيّ عنصرًا مشاركًا في أيّة عملية تربويّة تثقيفيّة حضاريّة، غايتها الإصلاح والتطوير والتحسين.
تستطيع المؤسسات الجامعيّة أن تؤدي دورّا تربويًّا حضاريًّا كونيًّا، وأن تحافظ على الخصوصية الثقافيّة، وأن تضمن حماية البنى الثقافيّة من التشوّه والتصدع، شريطة ألاّ ينحصر الدور الأكاديمي في تصنيع الشهادات، فالجامعة، قبل كلّ شيء، هي ملتقى فكريّ حضاريّ إنسانيّ يحرّض على الإبداع بقدر ما يحقّق التواصل المعرفيّ بين الشعوب، وهي وسط مخبريّ ينتج النظريات، وينضج تجارب جديرة بالحياة والاستمرار، وذلك بقدر ما يحرّض على حرية التفكير والتعبير.
ثالثًا: الشباب الجامعيّ والتحديات المعاصرة
تجتاح المجتمعات العربيّة رياح عولمة اجتماعيّة وثقافيّة تهدّد باستئصال الثوابت القيمية، وبتقويض أسس الأعراف، والعادات، والتقاليد الأصيلة، وتبشّر بتحولات سلبية، على معظم مظاهر الحياة العربيّة؛ لأنّ تأثيرات التقدّم التكنولوجيّ تُغرق المؤسسات التربويّة العربيّة بأنماط من التفكير والعيش، تناقض مفاهيم الواقع الاجتماعيّ، وتشوّه حقيقة تكوينه الفكريّ، والحضاريّ، والإنسانيّ، وتقلّل من فرص العمل، وتضع الخريجين الجامعيين أمام حقيقتين؛ إما الإحباط النفسيّ المقرون باحتقار الواقع ورفضه، أو قبول البدائل التي تضمن استمرارية العيش من دون النظر إلى نوعها أو التدقيق في نتائجها.
تفتقر معظم الجامعات العربيّة إلى وضع خطط تهتم بإنسانيّة الطالب الجامعيّ، وتعزز حضوره الثقافيّ، وتحرّضه على الشك وطرح الأسئلة والبحث العلميّ، لأنّ العملية التربويّة مغلقة على التلقين والاستظهار والإعادة، من دون أن يكون للمتلقي أيّ دور في الكشف عن إشكالية ما و توصيفها وتحليلها،  بالإضافة إلى ما تفتقر إليه هذه المناهج من دراسات علميّة ميدانيّة ترسم العلاقة بين حركيّة السوق  الاقتصاديّة، وحجم ضخ شهادات جامعيّة تغرق أسواق العمل، وتنبئ بأزمات متنوّعة، ربما كان أبرزها أزمة بطالة تدفع بالخريجين إلى تبعية اقتصاديّة، تقنّع تبعية ثقافيّة، واجتماعيّة، وحضاريّة، لأسباب كثيرة تعكس التناقض بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون، وربّما كانت المشاكل الأكثر بروزًا في الواقع الجامعيّ ما نلحظه من ضعف في مستوى التأهيل الثقافيّ، وفي التخطيط للتوازن بين طبيعة الشهادات وحاجات السوق، وفي تدني فاعلية القيم الاجتماعيّة والوطنيّة القوميّة، ويتجلى ذلك في:
1_المناهج الجامعية والنبض الثقافيّ
تأسيسًا على ما تقدّم يبدو نبض الفعل الثقافي في معظم جامعات الوطن العربيّ ضعيفًا، لأنّ مناهج التعليم قلّما تركّز على التكامل المعرفيّ، سواء أكان ذلك ضمن موادّ الاختصاص، أم بين اختصاصات متنوعة، فأستاذ الأدب أو النقد، على سبيل المثال لا الحصر، لا تعنيه قضايا اللغة، ولا يُقدّم أيّ ربط بين أدواته المعرفيةّ وأدوات علم اللغة، وكذلك أستاذ اللغة لا يُوظِّف أدواته في فهم طبيعة الخطاب العربيّ، وفي تحديد قيمته الفنيّة. والواقع عينه يفضحه غياب العلاقة الأكاديميّة بين أستاذ الفلسفة وأستاذ الأدب، أو أستاذ الفنون، أو العلوم، ويعتقد كلّ فرد ينتميّ إلى أيّة مجموعة من المجموعات الجامعيّة، أنّه الأكثر كفاءة وقدرة ومعرفة، ويعمل على النيل من اختصاص زميل له، أو على تغييبه، فنتج  مشهد ثقافيّ متشظٍ، لا يُبشّر بتفعيل حقيقيّ لدور قريب ومرتجى لمثقف جامعيّ عربيّ، ترسم معالمه سياسات جامعيّة، يُعتقد أنّ غايتها الأساس بناء الإنسان.
  يتعاطى الطالب الجامعيّ مع موادّ الاختصاص بأساليب متنافرة في مقاربة محتوى المواد، لأنّ مناهج التعليم يستقبلها المتلقي مقطّعة الأهداف والغايات، ولا رابط يجمعها إلا منظر الشهادة التي يحصل عليها المتعلّم بعد إنهاء مرحلة التعليم الجامعيّ، مع تفاوت في قيمة التقييم بين الشهادات والاختصاصات، لأنّ خريج كليّات الآداب، في نظر المجتمع، هو أقل شأنّا من خريج الكليّات العلميّة، وربّما كان خريج قسم اللغة العربيّة الأقلّ قيمة واحترامًا من خريجي الأقسام الأخرى في الكليّة عينها، وهذا ما باح به بعض الطلاّب في الجامعة اللبنانيّة الذين فضّلوا علوم اللغة العربيّة على اختصاصات علميّة، فقابلهم المجتمع باللوم والعتاب، ونعتهم بعض المتفقهين بالغباء والجنون.
أغفلت مناهج التعليم الجامعيّ الأهداف الأساس للعملية التعليميّة، ولم تتضمّن آليات معرفيّة، غايتها تنشيط الجوانب المهاريّة والوجدانيّة، وتفعيل دور الطالب الجامعيّ ليكون عنصرًا فاعلاً قي مجتمعه، لأنّ القيّمين على توصيف المناهج لم يتنبّهوا إلى  طبيعة الإنسان، من حيث كونه وحدة متكاملة مركّبة من عناصر بيولوجيّة، و كيميائيّة، وفيزيائيّة ثابتة، تنضاف إليها مركّبات تربويّة، ونفسيّة، وثقافيّة، وبيئيّة، واجتماعيّة، وحضاريّة تساعد في إنضاج التجربة الجامعيّة، وتخريج الطالب/ الإنسان المتسلّح بالعلوم والمعارف والقيم، لأنّ اهتمامات المسؤولين لم تتجاوز حدود الشكل والكم.
 قلّما ركّزت المناهج على النوعيّة والكيفيّة، وعلى الربط المنطقيّ بين المكوّنات المعرفيّة والثقافيّة والتربويّة والقيميّة، كونها مناهج  مستعارة من خارجٍ، أبدع  بنوه في وضع فروض تربويّة وتعليميّة، واستنبطوا أدوات وأساليب تتوافق وطبيعة الإنسان الذي وضِع المنهج من أجل بناء شخصيته، وتعزيز دوره الإنسانيّ، هذا الدور الذي أغفله واضعو المناهج في الجامعات العربيّة، وقصّروا عن اختيار الأدوات القادرة على  قدح الكمون الفكريّ، وتوليد الفكر النقديّ، والاستراتيجيّ، والتحليليّ، والاستنباطيّ، لأنّ  هذه المناهج المستعارة انتقائيّة، أولاً، وغير منبثقة عن تفاعل العلاقات بين الإنسان وبيئته وثقافته وموروثه وحضارته، ولذلك لم يصل التعليم العالي، في رأيي، إلى المستوى الثقافيّ المطلوب، وكانت النتيجة المزيد من الشعور بالإحباط وبالعجز، لأنّ هذه المناهج المستوردة محكومة، مسبقًا، بنتائج افتراضيّة لا تراعيّ طبيعة وسط التجربة المؤثر في قيمة المُنتج، ولا تركّز على المعايير القيميّة والعلميّة التي تساعد على هدم الحواجز الموضوعة بين الصروح المعرفية، كونها رسّخت نظرية التخصص الدقيق الذي عزل العملية المعرقيّة عن مهمة المعرفة، والهادفة إلى ثقافة شموليّة تدعم الحقل الاختصاصيّ بأدوات معرفيّة متنوعة قادرة علىإنضاج التجربة  وتنشيط العمليات الإبداعيّة.
فرض ضعف آليات التعليم حالة من التشظي في الواقع الجامعيّ الثقافيّ، فغُيّب مناخ المنافسة العلميّة، وتضاءلت جدوى خطط ثقافيّة توائم بين التضخّم المعرفيّ وكيفية تجهيز الطالب الجامعيّ، وضُعف تأثير الموروث الثقافيّ في عملية التأصيل والتحديث، وتخلّى الأستاذ الجامعي عن مهمته الحقيقيّة الهادفة إلى متابعة التأهيل النفسيّ، والثقافيّ، والاجتماعيّ، والوطنيّ، والإنسانيّ، لأسباب كثيرة، أهمها الواقع الاقتصاديّ الذي يعاني منه معظم الأساتذة في التعليم العالي، فعزل الهاجس الاقتصاديّ أصحاب القدرات عن القيام بواجباتهم، ليتصدّى للعملية التربويّة الأقل كفاءة ومقدرة، وربّما احتلّ بعضهم مراكز إداريّة تخولهم اتخاذ قرارات غير موضوعيّة وغير علميّة،  فوضع هذا الواقع العملية التربويّة أمام خيار واحد يشي بتلاشي أيّ نبض ثقافيّ؛ قديم أو جديد، ويبشّر بمزيد من التضخم في إنتاج الشهادات، وبتراجع على المستوى الفكريّ والإبداعيّ.
2_التأهيل الجامعيّ وسوق العمل
تركّز بعض الجامعات العربيّة على الإجازات المهنيّة والتطبيقيّة، ويزداد، يومًا بعد يوم، عدد المعاهد الهادفة إلى تشجيع الطلاّب على التخصّصات المهنيّة، غير أنّ النتائج أظهرت تفاوتًا في نجاح التجربة، وكشفت الإنجازات الميدانيّة عن تقصير على مستوى البحث العلميّ النظريّ، لأنّ الأعمال التطبيقيّة تبقى ضعيفة الأثر والتأثير، إذا لم تكن مصحوبة بمعرفة دقيقة بالنظريّات التي تساعد على فهم آلية العمل، و تحديث أدواته البحثيّة والعمليّة، وفق المعطيات المتجدّدة بتجدّد طبيعة أسواق العمل وحاجاته.
 تكمن أهمية البحث العلميّ في تنشيط الذهن، وفي وضع خطط علميّة مدروسة تفتح أمام الطالب الجامعيّ آفاق التطوير، وتشجّعه على تنظيم علومه النظريّة والتطبيقيّة في حقول معرفيّة متنوّعة، وتحرّضه على دراسة أيّة ظاهرة وتحليلها، توظيف قوانينها في نظريّات جديدة، يمكن أن تضاعف من إمكانية وضع الخطط واستنباط حلول تساعد في  إمكانيات  النهوض بالمجتمع اقتصاديًّا ومعرفيًّا، غير أنّ ما تكشفه النتائج الملموسة لا توحي بتباشير التفوّق والتطوّر.
 تحتاج المناهج الجامعيّة، إذًا، إلى اعتماد أصول البحث العلميّ / الميدانيّ التي تجعل من الطالب شريكًا في وضع خطط علميّة/ اقتصاديّة، غايتُها تقليص نسبة التضخم، وإطلاق خطط تعليميّة/اجتماعيّة/ اقتصاديّة توازن بين الرغبات والحاجات، و تجعل من الطالب الجامعيّ عنصرًا فاعلاً في رسم سياسة السوق الاقتصادية، وفي تحديد خياراته بثقة ووعي، وفي تحرّره من الاتكاليّة، والانهزاميّة، والشعور بالدونيّة، فتتحوّل علاقته بالآخر، وبشبكات العولمة من الانبهار إلى علاقة ندية ّتشجّعه على تثمير الطاقات، وتزاوج المعارف في العمليات التنمويّة الاجتماعيّة والوطنيّة والإنسانيّة.
ممّا لا شكّ فيه أنّ نجاح التجربة التعليميّة/ الاقتصاديّة يمكن أن يحدّ من تزايد نسبة الفشل، ويؤدي إلى ارتفاع نسبة نجاح عمليات التوفيق بين تحديد الاختصاصات والحاجات، ولكن يبقى هذا المشروع نظريًّا، غير صالح للتطبيق والممارسة، إذا لم تتوصّل الجامعات إلى وضع دراسات وخطط، تهدف إلى تنشيط حركة التنسيق بين الفاعليات التربويّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة على مستوى الوطن العربي، أولاً،  وإلى تضافر الجهود من أجل دعم مستوى البحث العلميّ، وتحسين الأداء الجامعيّ، ثانيًا، لأنّ العجز الماديّ والمعنويّ الذي يصيب المؤسسات الجامعيّة يُفضي إلى نقص في المؤهلات الأكاديميّة، وإلى قصور في استنباط الخطط الهادفة، وإلى تشتت ذهن الشباب وارتهانهم فكريّا وثقافيًّا ووجدانيًّا وحضاريًّا.
 إنّ للجامعات دورًا رئيسًا في تفعيل عملية النمو الاقتصاديّ، وفي تقويم بنية المجتمعات، ولذلك كان على الجامعة واجب اختيار الأستاذ الجامعي الأكاديميّ المتفرّغ لأبحاثه، وطلاّبه، ودراساته، بوصفه العنصر الأهم في أيّة تجربة علميّة اقتصاديّة حضاريّة، فهوmoniteur le المحرّض والمشجّع، وهو حلقة الوصل الأولى بين الطالب الجامعيّ، وميادين البحث العلميّ، ولكن على الرغم من أهمية تلازم وجود الأستاذ الجامعي المتفوّق، والبرامج الجامعيّة المتطورة، فإنّ الكلام يبقى نظريًّا ومن دون جدوى، إذا لم تعمل المؤسسات التربويّة في العالم العربيّ على التعاون والتكامل.
يقتضي التكامل الثقافيّ والاقتصاديّ وجود ورشة عمل على مستوى الوطن العربيّ، تعمل على ابتكار ملتقيات فكريّة، تضمّ الأساتذة الجامعيين من  الاختصاصات جميعها، من دون إغفال دور طلاّب الدراسات العليا الذين تضفي مشاركتهم على الملتقيات نبضًا فاعلاً يدعم علاقات التواصل بين الأساتذة والطلاّب العرب، ليتعارفوا ويتحاوروا ويناقشوا ويتدارسوا المشاكل والحلول، ثمّ يكون العمل على استنباط نموذج لمتحد طلاّبيّ مرتبط بمجلس علميّ أكاديميّ، يشكّل حلقة وصل بين الاختصاصات وحاجات السوق العربيّة، والدوليّة، شريطة أن يبقى المجلس بعيدًا عن الذاتيّة والتبعية السياسيّة أوالاقتصاديّة، ليجسّد النموذج الأمثل للشفافية والمصداقيّة والموضوعيّة.
3_التعليم الجامعيّ والقيم الاجتماعيّة والوطنيّة والقوميّة
إذا كانت الثقافة بنية متكاملة تتغلغل في جميع البنيات السياسيّة، والاقتصاديّة، والدينيّة، والنفسيّة، والاجتماعيّة، والأخلاقيّة، فإنّ ما هو مسيطر على طبيعة الحضور الثقافيّ، يمكن توصيفه، في معظم الجامعات العربيّة، باللاثقافة، لأنّ البرامج قلّما تركّز على حتمية التعالق بين هذه البنيات،  فهي مناهج تطرح قضايا فكريّة متقطّعة، لا تواصل بينها، ولذلك تبقى صورتها في ذهن المتلقي جُزرًا منفصلة، تفتقر إلى جسور معرفيّة تربط بينها.
ينتج هذا النوع من التعليم تشتتًا في فكر المتلقي، وتراجعًا في فهم الأصول، وعجزًا عن إمكانية توظيف المعارف، لأنّ العقل البشريّ، في طبيعة تكوينه، ممنهج بشكل علميّ منطقيّ، فإذا ما وجد الطالب العربيّ ضالته في نموذج تربويّ، انقاد، طوعًا، إلى تبني محتوى هذا النموذج ومقولاته، حتى تصير جزءًا من مكوّنه الفكريّ والثقافيّ، ومن ثمّ تغزو معتقداته ومفاهيمه الاجتماعيّة والوطنيةّ و القوميّة، لأنّ المناهج الجامعيّة تهمل البعد النفسيّ لحتمية الانتماء، وتسقط الحاجة إلى وضع بدائل تربوية تعين الطالب على التمسك بشخصيته القوميّة، و تخفف من النتائج السلبيّة التي يتركها انبهاره بكلّ وافد غريب.
إنّ التأثر بفكر الآخر ظاهرة صحيّة، شريطة أن يكون التأثر نتاج حوار عقلانيّ، علميّ، مؤسّس على وعي الذات، وعلى مخزون ثقافيّ، شحنته مناهج التعليم الجامعيّ بعلمية المحاجّة العقليّة، وبقيم الانتماء، فلا تقتصر العملية التربويّة على استذكار البطولات العربيّة التاريخيّة التي لم يبق منها إلا الصدى الغنائيّ، بل بتفعيل مهمة العقل العربيّ، وتنشيطه بأدوات النقد والنقض والتأسيس، لتكون علاقة الشباب العرب بتراثهم القوميّ وحاضرهم الثقافيّ علاقة هدم وبناء، غايتها تعزيز علاقة الفرد بمجتمعه ووطنه، وفق ما تفرضه أدوات المنطق العقليّ،  فتقوى المناعة و تتحصّن الهوية من مخاطر التبعية والارتهان.
رابعًا: الثقافة العربيّة بين الأصوليّة والتأصيل
 إذا كانت بعض الأصوات ترتفع مطالبة بوجود برلمان الإنسان، أو بفدرلة العالم، و بتوليد حركة فدرالية عالميّة كونيّة تقوم على الديموقراطية، وتهدف إلى تحديث المجتمعات الإنسانيّة، وتنميتها اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، لأنّ الإنسان أخو الإنسان، فأين هو موقع المثقف/ الجامعيّ العربيّ من هذه الحركة الكونية، وهو الخارج من مجتمعه وحيدًا ضعيفًا من دون حماية، ومن دون طاقة معرفية تؤهله للدخول في هذه الحركة الكونيّة؟
إنّ الأفكار والآراء والنظريّات التي تقدّمها العولمة تحظى بالمؤيدين والمريدين على مستوى العالم العربيّ كلّه، ولكنّ هذه الاستجابة لم تولّدها قناعة مقرونة بالمعرفة، بل هي وليدة استجابة لرغبة في الهروب من واقع عربيّ ضبابيّ مُتصدّع يحرص على تحطيم طاقات أبنائه الذين اعتقدوا أنّ خلاصهم يكمن في الحصول على شهادة جامعيّة، تخوّلهم تحقيق أهدافهم، وتحسين مواقعهم، غير أنّ هذه الشهادات لم تقدّم لهم بدائل تستطيع مواجهة زحف الأفكار المعولمة الهادفة إلى تقويض البنى الاجتماعيّة والأخلاقيّة والدينيّة، من خلال نشر كمٍ من الاتهامات المركّزة على الثوابت الدينيّة والوطنيّة والقوميّة، لأنّها تشكّل بالنسبة إلى أسياد الاقتصاد العالميّ حالة أصولية مقرونة بالإرهاب، فكرسّوا، عن قصد أو غير قصد، الفكر الأصوليّ ملاذًا لعدد كبير من طلاّب الجامعات الذين وجدوا في الدعوة السلفيّة نوعًا من النديّة لعولمة، أهدافها الظاهرة فدرلة العالم، هذه الأهداف غير المتناقضة  مع الدعوة إلى امبراطوريّة إسلاميّة كونيّة، قوامها العودة إلى أصول معرفيّة، ودينيّة،لا تُراعى، في الدعوة إليها،  تقنياتها الأخلاقيّة، ولا أدواتها المعرفيّة والعلميّة المتطوّرة، فاستطاعت العولمة تحقيق أهدافها المضمرة الداعية إلى تفريغ العالم من القيم الأخلاقيّة، وتحويل الإنسان إلى رقم مهملٍ، أو تابع في معادلات الدول الكبرى الطامحة، دائمًا، إلى السيطرة على ثروات العالم العربيّ.
أضمر الهجوم المُركّز والمُكثّف على العادات والقيم، وعلى المورث الدينيّ والحضاريّ تحريض الأجيال، بشكل غير مباشر، على المفاهيم والقيم والثوابت الأخلاقية والمعرفيّة؛ وكان التركيز، أولاً، على تفريغ كلمة الأصولية من دلالاتها، بوصفها عودة إلى الأصول، وثانيًا، على حصر معانيها بالانغلاق، ورفض الآخر، وبالإرهاب، ولكنّ الأصولية، بمعناها الحقيقيّ، ليست مرادفة للإرهاب، وليست دعوة إلى الإلغاء، بل هي دعوة إلى احترام الأسس الدينيّة، والحضاريّة، والفكريّة، والثقافيّة التي قامت عليها الحضارة العربيّة، هذه الحضارة التي كانت أنموذجًا حقيقيًّا للتواصل الإنسانيّ، والتفاعل المعرفيّ، والتي شارك في إنتاجها مفكرون عرب، وغير عرب بلغة عربيّة استطاعت أن تحتضن أشكال المعرفة كلّها، وأن تحفظها وتقدّمها للشعوب والأمم من دون تمييز.
تشير عملية توصيف الفكر الأصوليّ العربيّ إلى غياب المعيارية والموضوعيّة، فلماذا يكون العربيّ المسلم أصوليًّا إذا تمسّك بعاداته وتقاليده ومفاهيمه الدينيّة وبلغته العربيّة، واحترم موروثه الحضاري والثقافيّ، ولا يكون اليهودي أو الياباني أو الأميركي ذو الأصول الأميركيّة، أو الصينيّ وغيرهم أصوليين؟ فإذا كانت اليابان رائدة في ميادين التكنولوجيا، فهي لم تجعل من تقدمها العلميّ معولاً تهدم به أصولها وعقائدها وعاداتها وتقاليدها، بل جعلت من تمسكها بتقاليدها ثوابت قيمية تؤسّس بها وعليها، هذا على صعيد الأمم؛ أما على صعيد الأديان فإن اليهود، على الرغم من تشتتهم في العالم، لم يتخلوا عن لغتهم وطقوسهم الدينية، ولا يشعر أيّ منهم بخجل وهو يضع رمزًا دينيًا على رأسه.
إنّ احترام الموروث والأصول مكوّن أساس من مكونات النهضة، وهذا ما أثبتته شعوب شاركت، وتشارك في صنع الحضارة العالمية المعاصرة، فالصين التي تحتلّ مركزا مرموقًا في سلم الحضارة والتكنولوجيا، استسلمت في حقبة ما   إلى سلطة المحتل، ولكنّها لم تقبل باستسلام لغتها، ولم يتخلَ الصينيون عن طقوسهم وإرثهم الثقافي بكلّ تجلياتها الدينيّة والفكريّة، فاحتفظوا بتماثيل بوذا وتعاليم كونفوشيوس، ولم يجدوا فيها معوق نهضة وتقدم.
تظهر قراءة تحليليّة موضوعيّة لطبيعة التركيز على النيل من قيمة الأصول المعرفيّة العربيّة أنّ سلطة العولمة ترغب في القضاء على كيانات حضاريّة، لها هوية ذاتيّة، ومن ثم تذويبها في مفهوم حضاريّ جديد يلغي التعددية، علمًا أنّ الحياة الثقافيّة في أميركا تشجّع الأميركيين، من أصول غير أميركية، على ترسيخ حضاراتهم وعاداتهم وتقاليدهم في المجتمع الأميركيّ، رغبة من رعاة الحضارة الأميركيّة في أن تختزل حضارتهم، في يوم ما، ثقافات العالم كلّها وتحفظها بلغة إنكليزية تكون شاهدًا على هويتها الأمريكية، وعلى قدرة هذه اللغة في إنتاج المعرفة.
 تتمسّك شعوب دول العالم باللغة الأمّ، على الرغم من أنّ بعضها خضع لتركيبة استعماريّة أو اتحاديّة، لأنّ اللغة أهم عامل من عوامل تأصيل كينونة الأمّة، وبها يُحفظ التراث وتُدوّن المعارف، غير أنّ اللغة العربيّة، في هذا الزمن العربيّ الهش، تخسر دورها الحضاري والإنسانيّ؛ لأنّ الناطقين بها فرّغوها من قيمتها العلميّة، وأرهقوها بالنقد، وتخلّى بعض المتعلمين عن استخدام اللغة الفصيحة، وأدخلوا في كلامهم مئات المفردات الأجنبيّة، نتيجة الشعور بالصغر أمام الآخر.
 خسرت اللغة العربيّة دورها العلميّ والحضاريّ في معظم المؤسسات الجامعيّة العربيّة، في وقت تخصص فيه الولايات المتحدة الأمريكية مليارات الدولارات من أجل تعليم اللغة العربيّة، وصار طلاّب الدراسات العليا يخجلون من التكلّم بلغتهم الأمّ وربطوا وجودهم الحضاريّ بقدرتهم على استخدام اللغة الإنكليزيّة؛ لأنّها، وفق ما هو سائد، لغة العلوم و التكنولوجيا، أمّا اللغة العربيّة، في رأي معظم طلاّب العلم، فهي لغة عاجزة متخلفة.
إنّ تعلّم اللغات الأجنبية أمر ضروريّ، شريطة ألاّ يلغي دور اللغة الأمّ في التواصل المعرفيّ، لأنّ أي إنجاز مهنيّ أو تطبيقيّ يبقى ضعيف الأثر والتأثير، إذا كان غريبًا عن وسط المختبر اللغويّ، فالأدوات المستعارة تساعد، ولكنها ليست العنصر الأساس في إنجاح التجربة، وتفعيل نتائجها، وتحسين ظروف تنشيط عناصرها، فإذا كان الشباب الجامعيون يشعرون بالخجل من لغتهم، فكيف تتحقق عملية خلق ثقافة عربيّة جديدة قادرة على الاستمرار في الآتي؟ وكيف تُكرّس أحقية حوار نديّ مع الآخر إذا لم تكن الأنا موجودةً؟
تلعب الجامعات دورًا رئيسًا في تنشيط مهمة اللغة و ترسيخ الهوية وإثبات الذات، غير أنّ الجامعات العربيّة بشكل عام تبدو مقصّرة في تنشيط دور اللغة وربطها بالنشاط العقليّ الذي يساعد على تكوين شخصية الطالب الجامعيّ، وعلى تعزيز عملية معرفة الذات، و العمل على تطويرها، ومن ثمّ الاهتمام بقضايا التقدم العلميّ وإعادة إنتاج المعرفة بلغة عربيّة،  فلا يتناقض جوهر المنتج الجديد والقيم الأخلاقية التي تدعم مناعة العلم، وتوسّع مسارات التواصل، وتؤكّد  تلازم الفضائل العقلية والفضائل الأخلاقية، وعلى أهمية التبادل المعرفيّ من دون إلغاء أو تبعية، فتقوم عملية التبادل المعرفيّ على علاقة ندية متكافئة، تعزز إنسانية العلم و كونيته، بقدر ما تحترم الهوية الثقافيّة واللسانيّة.
إنّ ثقافة الطالب الجامعيّ تجسيد حقيقيّ للمشهد الثقافيّ في الساحات والمؤسسات التربويّة والعلميّة، فإذا كانت بعض الجامعات في الوطن العربيّ تبالغ في الدعاية عند استقبال أستاذ زائر من بلد أجنبي، وتستفيض في الحديث عن مكانته العلمية متجاهلة قيمة أستاذ عربي عالم، يفوق هذا الأجنبي علمًا وثقافة وحضورًا إنسانيًّا، فالنتيجة الطبيعية تظهر في تصرفات الشباب الجامعيّ، وفي تعظيمهم لكلّ غريب، وفي شعورهم بالدونية والتبعية والتقصير والتخلف، وفي التقليل من أهمية  كل ما هو محليّ أو وطني، لتكون نتائجه الأكثر بروزًا رفض الأصالة واعتبارها المظهر الحقيقي لموروث متخلف، فتوافق مشاعرهم مع توصيفات العولمة لأصالتنا على أنّها أصوليّة إرهابيّة، فتخسر الأجيال العربيّة مناعتها و أصالتها، ويسهل قيادها وإقصاؤها عن جذورها وأصولها.
خامسًا: التعليم الجامعي وآفاق المستقبل العربيّ
لقد عرف التاريخ الحضاريّ ثورات معرفيّة تركت نتائج إيجابية؛ فكريّة وحضاريّة، أسهمت في تفعيل حركيّة التطوّر، ولكنّها لم تكن لتهدف إلى زعزعة البنيات الاجتماعيّة، وتركها من دون ترميم أو تعويض قيميّ، أمّا الثورة المعرفيّة المعاصرة، على الرغم من تفرّدها بالتقدّم التكنولوجيّ، فإنّ نتائجها السلبيّة، وبخاصة على المجتمعات العربيّة، تهدّد بانهيار اجتماعيّ، لأنّ شبابنا يشعرون بالعجز والضعة والانبهار أمام أي منتج حضاريّ جديد، فيأتي التعويض عن الشعور بالعجز مبالغات في التقليد والاستهلاك، وإسرافًا في رفض الموروث، ومغالاة في تبني المفاهيم التي تسوّقها وسائل الاتصالات الحديثة.
تسببت ثورة الاتصالات المعاصرة بتراجع ملحوظ لدور المؤسسات التربوية، وبخاصة الجامعيّة منها، وتجسّد ذلك في انخفاض مستوى تواصل الشباب الجامعيين مع محيطهم، وثقافتهم، وقيمهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وضعف الشعور بالانتماء الوطنيّ والقوميّ، في وقت تتضاعف فيه نسبة تواصلهم مع مفاهيم وافدة تغري بالتبعية والارتهان، وذلك لسببين، أولهما؛ تقصير الجامعات في خلق مناخ ثقافيّ عربيّ يحرّض على البحث العلميّ بلغة عربيّة، وثانيهما؛ تنوّع ما تقدّمه وسائل الاتصالات الحديثة من إغراءات تتسم بالسهولة والسطحيّة، وتشي بالخروج على القيم والمفاهيم والأعراف، التي يرى فيها الشباب قيودًا تقيّد حريتهم، ما يدفع بهم إلى تبني المفاهيم الجديدة الغريبة عن طبيعة تكوينهم، وعن أصالة انتمائهم.
 يهدّد الوافد الحضاريّ الجديد بهيمنة سلطويّة تسيطر على أفكار الشباب، فتقصيهم عن الأعراف والعادات والتقاليد،  لتكون النتيجة اتساع الهوة بين الشباب والثوابت الاجتماعيّة والوطنيّة، ومن ثمّ تتداعى المفاهيم الفكريّة الموروثة، وتتشّوه الهوية الثقافيّة والحضاريّة، ويتدنّى مستوى الوعي الوطنيّ والقوميّ، ويتلاشى الشعور بالانتماء إلى الموروث الحضاريّ، ليحلّ مكانه تبعية عمياء لمظاهر تغري بالثقافة، ولكنها تضمر تشويشًا فكريًّا، غايته إلغاء فاعلية الفكر العربيّ، وإقصاء المبدعين عن ساحات الحراك،  فيتحوّل الإنسان العربيّ من فاعل في عملية الخلق المعرفيّ/الحضاريّ إلى مستهلك، ومن مبدع إلى مقلّد، ومن المركزية إلى تبعية تحقق نجاح مخططات خارجيّة غايتها السيطرة اقتصاديًّ، وفكريًّا، وثقافيًّا، وحضاريًّا.
يشي الواقع الثقافي العربيّ بتراجع دور العقل،  وتدنّي فاعلية الوظيفة المعرفيّة، وذلك إذا استمرت المؤسسات الجامعيّة في استسلامها إلى سماسرة الفكر والثقافة، وبخاصة بعد أن تخلت عن مهمتها الأساس في حماية الإرث الحضاريّ،  وتفعيل أدواته، وعن دورها في خلق خطط علميّة تربويّة اجتماعيّة وطنيّة مدروسة تهدف إلى خلق نواة نهضويّة علميّة أو ثقافيّة أو أدبيّة أو فكريّة، تعيد تكوين بنية الفكر العربيّ، وتحرّضه على جعل التعليم الجامعيّ مشروعًا نهضويًّا حضاريًّا،  غايته تحرير الفرد، وتحديث بنية المجتمع، وحماية خصوصية الهوية القوميّة.
إنّ إعادة التمركز واستعادة الهوية الذاتية مشروط باستنباط مناهج تربوية تشجّع على التمسّك بالثوابت من دون أن تتجاهل ضرورة إقامة حوار جوهريّ ومعمّق مع الآخر، فيتمّ الكشف عن مكامن الخلل في العلاقة غير المتكافئة معه، وتتحقّق معرفة الذات من خلال معرفة الآخر، وتتحدّد العلاقة بين "الأنا" و"الهو" و"النحن "و"الهم"، ما يساعد على فهم طبيعة العلاقات التي تتحكم بالعالم، وكيفية تثميرها من أجل مستقبل الإنسانيّة.
إنّ الوصول إلى هذا المستوى المطلوب في مناهج التعليم الجامعيّ وتطويرها تلقائيًا، يحتاج إلى عملية بحث جديّ يحلّل المكوّن الثقافيّ، ويدرس طبيعة نسيجه البنيويّ، ليتمّ الكشف عن المقوّمات المتمايزة بالثبات من حيث الأصالة، وبالقدرة على الاستقبال والتفعيل والتطوير، من حيث القدرة على مواكبة حركية الوجود، أي قدرة المكوّن على إعادة إنتاج جديد ممهور بالتنوع الثقافيّ، أولاً، و بالقدرة على تحرير فضاء البحث العلميّ من أحادية النمط، ومن تجار الفكر والمعرفة، فيتحقق التركيز على تحديد الأهداف، و تحسين نوعية وكفاءة الخدمات التعليميّة، وتطوير نظام المعلومات، من أجل إيجاد آلية تهتمّ بجودة البحث العلميّ المعافى من الانغلاق والاستنسابيّة، والانتقائيّة، والتبعيّة، والسطحية.
  يرتبط نجاح عملية التأهيل التربويّ بعناصر كثيرة، بعضها متصل بهيكلية تكوين الجامعة الأكاديميّ والعلميّ، وبعضها الآخر متصل بالقدرة الماديّة، بمعنى آخر لا تستطيع الجامعات أن تحقّق مسيرة علميّة نهضويّة، على مستوى الوطن والعالم، إلاّ إذا اعتمدت معايير دقيقة في اختيار الأكاديميين القادرين على احترام إنسانيّة الطالب الجامعيّ، وعلى خلق حوار راقٍ معه يساعده على بناء شخصيته ويغريه بالبحث عن المعرفة، بالإضافة إلى توفير الدعم المالي الذي يساعد في التفرغ إلى البحث العلميّ، وومن ثم يكون التمويل لأنشطة بحثية، ولعقد لقاءات بين الأساتذة الجامعيين في العالم العربيّ وبين الطلبة من أجل تبادل الخبرات والمعلومات وتحقيق التعاون الأكاديميّ، وكذلك تشجيع الطلبة المتميزين بالكفاءات على التفرغ العلميّ.
إنّ المشكلة، إذًا، لا تكمن فقط في نظرتنا إلى ثقافتنا، ولا في علاقتنا مع الآخر، بل في تدني مستوى وعينا لطبيعة المشاكل وتفاقم الأزمات التي أدخلتنا في حالة اغتراب عن ذواتنا وعن الآخر، وقادتنا إلى تبعية عمياء،  والخروج على أشكال التغريب والانطواء والتبعية والتقليد لا يكون بمحاربة أدوات التكنولوجيا، ولا بالمبالغة في استخدام وسائل الاتصالات الحديثة، بل بالعودة إلى الأصول، وإخضاع الموروث للنقد والفرز، ليكون الصالح منه أساسًا في وضع تصورات وخطط صحيحة قادرة على مواكبة التحوّلات الثقافيّة، والتكنولوجيّة، وعلى إدراك حقيقة الابتكارات العلميّة، ومن ثمّ توظيف أدواتها من أجل خلق نهضة علميّة عربيّة ينتجها مبدعون عرب، استفادوا من تجارب الآخر المعرفية، ومن خبراته، وآرائه، ونظرياته، فكان لهم من فكر الآخر أداة قدح  أسهكت في خلق رؤى جديدة، ونظريات أكثر حداثة، يمكن تصديرها إلى الآخر، وبذلك يستطيع أن يذلّل الصعوبات والمشاكل، ويتحرّر من الارتهان والشعور بالدونية،  ليصير شريكًا حقيقيّا وفاعلاً في عملية انصهار وجوديّ/ حضاريّ، ترك فيها العقل العربيّ بصماته وشخصيته المتمايزة بالأصالة والحداثة. ولكن متى يتحقّق هذا الحلم؟ وهل سيكون غدٌ يصنع حضارته العقل العربيّ؟ ربما . من يدري!

سادسًا:بيان البحث
تؤدي المؤسسات الجامعيّة العالميّة دورًا حضاريًّا كونيًّا بوصفها ملتقًى فكريًّا يضمن التواصل المعرفيّ بين الشعوب، وهذا الدور الثقافيّ/ الحضاريّ تستطيع الجامعات العربيّة تكريسه فعلاً وطنيًّا وإنسانيًّا، إذا تمكّنت من تحسين آليات الأداء الجامعيّ، ومن وضع خطط قادرة على استقبال مفاهيم  الثورة المعرفيّة المعاصرة المشحونة بالإيجابيات والسلبيات، ليتمّ عرضها أمام الشباب بأسلوب علميّ منطقيّ ممنهج قادر على النقد والنقض، فيعمل القيّمون على المناهج التعليميّة، بمشاركة طلابية فاعلة، على تثمير الجوانب الإيجابية، وتسخيرها في تفعيل الفضاء الثقافيّ العربيّ.
تستطيع الجامعات العربية أن تعزّز دور الشباب في صناعة المستقبل، وتضمن فاعليّة ثقافة عربيّة أصيلة، تحرّض على تخطي الصعوبات وتجاوز الأخطار،  ومناقشة القضايا القوميّة والإنسانيّة والحضاريّة، وكذلك ترك السلبيات وما تشي به من تقليد وانسحاق، ومن غياب لدور الأنا العربيّة، ومن ضياع القيم الثقافيّة، بمعنى آخر تستطيع الجامعات العربيّة، إذا تبنّت مناهج توائم بين التأصيل والتحديث، أن تؤسّس لمستقبل موسوم بهوية حضاريّة عربيّة، قوامها ثقافة قادرة على تقويم الفكر، وعلى خلق حوار حقيقيّ فاعل مع الآخر، من دون تبعية أو ارتهان، وشبابنا قادرون على خوض التجربة، إذا تخلى الأساتذة عن دورهم القمعيّ/التجهيليّ، وتُركت أبواب الشك مشرعة لأسئلة لا تبحث عن الجاهز والمُعلّب والمستورد، بل عن أجوبة غير نهائيّة، أجوبة تحرّض على السؤال، وعلى البحث العلميّ الحقيقيّ والفاعل.

 أ.د. مها خيربك ناصر
الجامعة اللبنانية
 اتحاد الكتاب اللبنانيين
 المجلس العالمي للغة العربيّة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق