الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

الثقافة العربية ومرايا المساءلة

أولا: كلمة ومفتاح
يظهر التطور اللغوي انزياحًا وتبدلاً في دلالة بعض المفردات، مع ارتباطها الجيني بأصل الوضع والاستخدام، ومنها لفظة الثقافة التي تعددت دلالاتها مع التطور المجتمعيّ والعلميّ والسياسيّ والاقتصاديّ، من دون أن تتخلى عن المعنى المعجميّ المتأصل في مفهوم الحذق والفهم والفطنة والمهارة وحسن التعليم والتقويم، فحافظت الكلمة على رمزية الإبداع والخلق والتطوير والقدرة والإرادة، والضبط المعرفيّ، والقيام به. 
تأسيسا على ما تقدّم يمكن القول إنّ المعنى المعجميّ لكلمة الثقافة يكشف عن ثوابت قيمية استنبطها العقل العربيّ،  وأقرّ بها، وتبناها، فارتبطت الكلمة بالسلوك الفكريّ وقدرته على احتواء المادة القادرة على الإبانة والتبيين والضبط، من حيث ظاهرية الدلالة، وبالقدرة الإبداعيّة التوليدية، من حيث باطنية الدلالة، وذلك مهما تغيّرت المنظومات الاجتماعية وتنوعت سياقاتها ومساراتها، فالثقافة، بهذا المفهوم، تختزل إنتاجا معرفيا لمجموعات لها قيمها وعاداتها وتقاليدها ومفاهيمها، وأنماط تفكيرها،  ومعتقداتها الدينية، وفنونها العسكرية والسياسية والحياتية، فهي، إذًا، بنية متكاملة، لا يمكن تجزئتها، أو حصرها في ناحية علميّة، أو اقتصاديّة، أو اجتماعيّة.
من هذا المنظور، يمكن القول إنّ المفهوم الشمولي للثقافة يضمر تحريضًا دائمًا، غايته الكشف عن النتوءات والتشوهات بغية التقييم والتقويم و التحسين والتطوير، بما يخدم الإنسان، ويحقق له أمنه وحريته وسعادته، ويعزّز انتماءه، ويكرّس إنسانيته. ولكن الواقع الثقافي العربي يوحي بأنّ الكلمة فُرغّت من رمزية الضبط والتأسيس، وخسرت مفهوم الفعل التحريضيّ، لأّنّ المثقف العربيّ يتخلى، يومًا بعد يوم، عن دوره في تصحيح الواقع بعد أن تنازل عمّا لديه من قيم معرفية، وتبنى مفاهيم بعيدة عن طبيعته وعن تكوينه، فأين هو المثقف العربي الضابط لما يحويه والقائم به؟ وما هي إشكالية الصورة الثقافية؟ 

ثانيا: مرآة الثقافة العربية ووهم الصورة والتصور.
تسير المجتمعات المتقدمة بخطى متسارعة نحو المستقبل، وتستفيد، في تفعيل حركتها، من مخزون الشعوب وفاعلية موروثها الثقافي، وكان الموروث الفكري العربيّ أحد مكونات الحضارة العالميّة المعاصرة، ومساعدًا على التحفيز والتوليد، لأنه أضمر طاقة قابلة للفعل والتفاعل، ولكن أين هو أثر هذا الموروث في واقع عربيّ مضطرب ومتعثر؟
تثبت الحركة الثقافية والفكرية العالمية تسابقًا على إنتاج المعرفة وتسويقها ضمن سلسلة منظمة من الإعلان الهادف،  والإعلام الموجه، ويقتصر الدور العربيّ على الاستقبال والاستيراد، وعلى تحويل المجتمعات العربية إلى أسواق استهلاكية تشجع على نشر ثقافة وافدة مُفرَّغة من الجوهر القابل للصقل وفق ما يتطلبه الذوق الثقافيّ العربيّ.
 أحدث الوافد الجديد شرخًا في بنية الثقافة العربية، وانقسم المثقفون بين من يتبنى التقديس الصنمي للموروث، وبين من يرفض التواصل معه، ويستبدله بأنماط مستوردة أوحت بالجدة والتحديث ومواكبة التطورات الفكرية العالميّة، فاحتلت حيزًا رئيسًا من مستويات التكوين الثقافيّ، من دون أن يكون لها وظيفة كيميائية أو فيزيائية تساعد على إنتاج ثقافة عربية تتمايز بهوية ذاتية، وانحصر التأثير في شكل المنتج؛ لأنّ الهدف استهلاكيّ، ولا قيمة تحريضية فاعلة له، وبالتالي فإنّ الثقافة الوافدة لم تخلق حدثًا معرفيًّا غايته تصحيح النتوءات والتشوهات، وتسليح الإنسان العربي والمؤسسات الثقافيّة بموادَّ معرفية تشجع على القيام بالمهام التربويّة والوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة.
يعكس الواقع الثقافيّ العربيّ صورة حقيقة عن المنتديات الفكرية والاجتماعية والسياسية والتربوية التي تحوّل معظمها إلى دكاكين للمقاولة تلتزم نقل الفكر الغربي المُعلّب، وتوزيع مواده، كوجبات جاهزة، على الراغبين في التقدُّم والتحضُّر والتعلُّم، وتجاهلت هذه المؤسسات الدور التوجيهي والتربوي والتثقيفيّ، وأهملت مقومات الشك والسؤال والبحث، وتخلت عن الأسس الثقافية والاجتماعية والدينية، وجعلت من عملية التلقي المعرفية بورصة يتسابق على امتلاك أدواتها الأكثر قدرة على إتقان الانبطاح والتقليد والتبعية.
أنتج هذا الواقع انتكاسات فكريّة، و تراجعًا في مستوى الأداء التعليميّ والتثقيفيّ والاجتماعيّ تجلت في تزايد القطيعة بين الإنسان العربي و أصالته، وفي خلق حالة اغتراب نفسيّ واجتماعيّ ناتجة عن تلوّث طهارة القيم، ورفض الأعراف والتخلي عن الموروث، واحتقار اللغة القوميّة، ورجمها بالعجز والقصور عن مواكبة التطور الثقافيّ العالميّ، والاستعاضة عنها بمفردات أجنبية لا يؤدي استخدامها إلى صناعة ثقافة ذاتية حقيقية يؤسس عليها للمستقبل. 
تنتج البرامج التربوية نماذج ثقافية غريبة عن البيئة العربية وعن طبيعة أبنائها وعن طريقة تفاعلهم مع المظاهر والمرئيات، لأنها تُعنى بالتسويق للفكر المادي الهادف إلى تخريب التفكير السليم وتحويله عن تبني القيم إلى حذق أساليب الغش والخداع والنفعية و الاستزلام، وحب الظهور، والتفرد بالرأي، وإلغاء الآخر وتقوية الأنانية السلبية، والبحث عن المنافع الذاتية القريبة المتناول؛ فنتج عن ذلك إقصاء أهل الفكر والكفاءة، وسيطرة الجهل المعرفيّ، وفقدان الحصانة الفكرية، وتثبيت مفهوم ثقافي مبرمج، هدفه تعطيل التجربة القومية والتعويض عنها بنماذج جاهزة، تهدّد سيطرتها باقتلاع الإرث الثقافي والحضاري، وبتشويه المنتج الفكريّ.
إن ما تشهده الساحات الثقافية العربية ينبئ بكارثة قومية، فالأجيال العربية تجهل تراثها وتحتقر موروثها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها وتستسلم لإغراءات الهجمة الثقافية المعولمة والمبرمجة، وترى فيها مدخلاً إلى الحضارة العالمية الجديدة، فانتشرت في معظم طبقات المجتمع ثقافة الابتذال والنفعية والمحاباة والدجل والاستهتار بالمبادئ والأعراف والقيم والأخلاق، وتسللت المفاهيم الجديدة إلى قناعات المربين والمفكرين، وتحوّل الإنسان العربيّ عن ثوابته القيمية إلى إتقان أساليب الانتهازية.
أنتج الغزو الثقافي الغريب واقعًا مشوهًا مشحونًا بالتشنجات والتصدعات والانهيارات، فلقد صار التهذيب الاجتماعيّ من الموبقات، والتمسك بالقيم والأخلاق والأعراف عنوان تخلف، والتمسك بقضايا الحق والعدل والمواطنية مغامرة، ومحاربة الفساد والمفسدين تخريبًا، والدعوة إلى التحلي بالمبادئ الدينية والعقائدية عملاً إرهابيّا، والتسلح بالمنهج العقليّ، والفكر النقديّ مؤامرة، ورفض التبعية تمردًا، والرغبة في حياة حرة كريمة تحريضًا، والسعي إلى السيادة الحقيقية خيانة؛ لأن المطلوب القضاء على ما تبقى لدى الإنسان العربي من فكر سليم وعقل نيّر ومن عزة نفس و كرامة أخلاق.
استسلمت معظم طبقات المجتمع العربي إلى إغراءات الثقافة العالمية الوافدة،   وانقادت إلى مفاهيم ثقافة تحريضية توليدية سلبية تشجع على الكذب والغش والغدر والخيانة والاستسلام والسهولة والقتل والتخريب والتدمير، فتقلصت نسبة الأمل في انبعاث ثقافة عربية لها هوية ذاتية تتمايز بالأصالة والتحديث، لأنّ الواقع العربيّ مشحون بالفوضى والغوغائية والانتقائية، ومحكوم بالتشويش والقلق وصعوبة الانتماء، فهو مضغوط سياسيًّا واجتماعيًّا وتربويًّا، و يفتقر إلى النظام والتخطيط، ويعيش مثقفوه الحقيقيون أزمة انتماء إلى مجتمعات تتجاذبها مشاحنات داخلية ونزاعات خارجية، فهي مجتمعات تخضع لإغراءات الثقافة العالمية وتعاني من توتر المفاهيم السياسية والدينية والطائفية و الإقليمية والدولية، و تهدد الخارجين على حدود مصالحها الآنية بالحرم والإبادة.  
يعاني المثقف العربي، اليوم، من عقدتي الخوف والانتماء، فهو يخاف من التعبير عن أحاسيسه ومشاعره، ويخاف من التواصل الفكريّ مع أخيه العربيّ إلا تحت مظلة الرقابة و بجواز سفر وتأشيرات دخول، وبالتالي فإنّ انتماءه موسوم بالضبابية والشعارات الوهمية، وبالعجز عن ملامسة عمق القضايا القوميّة، وعن تحديد خصائص هوية وطنيه تُكسبه وجودًا إنسانيًّا كونيًّا، فهل يكون الحل بالحصول على جنسية تمنحه احترامًا في وطنه القومي؟  سؤال أجابت عليه معظم المؤسسات الاقتصادية والتربوية والفكرية  في العالم العربيّ، هذه المؤسسات  التي تميز، في الرتبة والراتب، بين من يحمل جنسية عربيّة أو غير ذلك، فأية بنية  ثقافية  تقوم عليها المجتمعات العربيّة؟ وأيّ مستقبل ينتظر المثقف العربيّ؟ وأي خطر يهدد ثقافة الانتماء؟
 تتمحور الإجابة عن هذه الأسئلة في نقطة مركزية رئيسة، تختزل دور   المثقف العربيّ في مواجهة القمع الفكري، بنوعيه الداخلي والخارجي، و تحدّد موقفه من اجتياح الغزو الثقافيّ، وتعكس طريقة تعاطيه مع تراثه، من جهة، ومع الوافد الغريب، من جهة ثانية، وهذا مرهون بقدرته على اتخاذ موقف موضوعي يوضح درجة وعيه لأهمية التقاطع الثقافيّ المحوريّ، ويكشف عن طبيعة، أ وخصوصية انتمائه إلى أحد المستويات المتباينة والمتكاملة والمشتركة في نقطة التقاطع المركزيّة، لأنّه مجبر ضمن هذه الحركة الثقافية الكونية أن يُفصح عن موقعه الحقيقي والفاعل، وأن يرفض الارتهان إلى الضغوطات الخارجية والداخلية، أو إلى صنمية وسكونية الموروث، ولكن هل يبشّر الواقع الثقافيّ العربيّ إلا بمزيد من الخيبات والتشوهات؟
لم يستطع معظم المثقفين العرب استيعاب خطوات تجربة الآخر الثقافية؛ لأنّهم لم يتعرّفوا إلى طبيعة المختبر البيئي الذي حرّض على إنجاحها، بل اكتفوا بالاندهاش من جدة الأشكال الثقافية الوافدة من دون أن يخضعوها للدراسة والنقد، وفي الوقت عينه نبذوا الموروث التراثي، وأهملوا قدح كمونه التوليديّ، وتخلوا عن توظيفه وتثميره وتفعيله من أجل صناعة ثقافة جديدة تضمن خلق نظام مجتمعيّ وتربويّ وسياسيّ، يستطيع أن يضمن هامشًا من حرية التفكير والتعبير والتحديث، وأن يساعد على معالجة القصور، وعلى تحدّي ورفض أشكال الهيمنة الخارجية والداخلية.
يشير الواقع الثقافي، في هذه المرحلة من تاريخنا، إلى ضمور الفعل الثقافيّ، وتراجع دوره التحريضيّ القادر على تحرير العقل والنفس من التبعية الفكرية، وبالتالي فإنّ الشفاء من الشلل الذهني، أسهم في تفريغ الفكر العربيّ من مقومات النظرة العقلانيّة والرؤيا الموضوعيّة، وفي إصابته بضبابية التصور والوهم، وفي تفاقم استسلامه لأشكال الهيمنة، فهل سيتحرر المثقف العربيّ من هيمنة أصابته بالوهم والتصور؟
ثالثًا:مرايا الهيمنة وأسئلة التنوع 
تحوّل المعنى اللغوي لكلمة الهيمنة من الأمن والإيمان والسلام والقيام على الأمور، إلى دلالات مرادفة للخضوع والإذعان والتبعية والإلغاء، مما ساعد على خسارة مقومات الحياة الحرة الكريمة، على الرغم من شعارات منظمات حقوق الإنسان، الهادفة إلى تنمية الوعي الفردي والجماعي، وتعزيز الثقافة بوصفها صانعة الحضارة، إلاّ أنّ طروحات هذه المنظمات لم تتجاوز حدود المناظرات الكلامية، وبقيت معظم شعوب العالم تعيش مرحلة ارتهان فكريّ، أدى إلى تعطيل دور العقل، وتحويل أفراده إلى مجموعات تابعة، معنويًّا، إلى متبوع واحد يشجع على الانهزامية القاتلة، ومن ثمّ الوصول إلى حالة من الشلل الفكريّ،  يسهل معها وأد حرية التفكير والتعبير، و السيطرة على الرغبات، واستعمار الآمال والطموحات، و تحويل الثقافة عن مسارها الحقيقي لتصير أيضًا التابع الأهم في المعادلات الدولية الجديدة، ويتم القبض على المجتمعات فكريًّا وإعلاميًّا وحضاريًّا.
تسعى المنظومات الثقافية العالمية الجديدة إلى إلغاء الخصائص الذاتية للثقافات القومية المرتبطة بالأرض والتكوين البيولوجي والنفسيّ، ومن ثمّ حصر القيمة الثقافيّة بما تفرضه من شوائب ثقافية طرحتها كيمائية التحولات الحضاريّة الكونية المتتالية و المتسارعة، فصارت هذه المجتمعات مجموعات مجهولة تابعة، تتحدد قيمتها بما تكسبه من الأرقام الحقيقية و الفاعلة في طرفي المعادلة الثقافيّة الحضاريّة العالميّة، وتحكمت بحركتها قوى سياسية تدور في فلك السياسة المركزيّة الدوليّة الحاكمة والمتحكمة في مصير الشعوب.
 تعكس مرآة الواقع الثقافي العربي افتقار المجتمعات العربيّة إلى صيغة منطقية تحدد إحداثياتها الثقافية، فهي تتخبط بين تبعيتين؛ أولاهما تتجسد في تبعية إلى خارج يسعى إلى سيطرة تجعل من هذه المجتمعات ملحقًا اقتصاديًّا وثقافيًّا، وتدخله في مسلكية الخادم المطيع، وثانيهما تتمظهر في تبعية إلى داخل يسعى إلى هيمنة تتباين في تنوع أشكالها، ولكنها تتوحّد في الأهداف، فإذا كانت الظواهر تعكس أنماطا للأمن المزيف، فإنّ الهدف الأساس مُختزَلٌ في تعطيل طاقات الفرد وتحويله عن أهدافه الإنسانية، ومن ثمّ إدخاله في مسلكية خدمة السلطة، التي تمعن في فرز هيمنات داخلية، غايتها تسخير الأفراد وربط مصيرهم المعيشي بالولاء التام والتبعية العمياء. 
فرض الواقع المضغوط، اقتصاديًّا واجتماعيًّّا وفكريًّا وحياتيًّا، انتماءً مشوهًا، شرع الإنسان العربيّ يمارسه ارتهانًا وجدانيًّا وعقائديًّا وعقليًّا، مما أفضى إلى إغراق المجتمعات العربيّة في خضم من المنازعات المفروضة من خارج، وإلى صياغة حبال الفتنة المدعمة بشعارات التحدي، من ثمّ التسويق إلى تبنيها والعمل عليها والدفاع عنها بحجج ببغاوية مستوردة، غايتها تحويل العقل العربي إلى آلة ضجيج غوغائيّة، تتحكم في تشغيلها مصالح الطامعين والمقاولين في الداخل والخارج، وتحويل الإنسان العربيّ، بصخب مفتعل، عن موروثه الثقافي، ليسقط في أوحال الفوضى والضياع، والاستلاب، والاضطراب والقلق والتعثر.
لقد أصاب هذا الواقع الإنسانَ العربيّ بالعجز عن ملامسة الروح العلميّة والمنهجيّة الموضوعيّة، فحاول التعويض عن النقص المعرفي بمظاهر ثقافيّة تقصيه عن الأصل بقدر ما تشعره بالدونية والضعة أمام أي وافد غريب، فنتج عن ذلك تشوّه في مفاهيم ثقافة الأخلاق وثقافة التربيّة وثقافة السياسة وثقافة المواطنة وثقافة الاقتصاد وثقافة الانتماء وغيرها من المفاهيم التي فُرّغت من الجوهر، وأُكسِبت لمعانًا مزيفًا وباطًلا، فكان من آثارها المباشرة والسريعة انحطاط فكريّ، على جميع المستويات، وحصر الاهتمام والعناية بلمعان الجاهز والمعلب والمستورد من دون بحث أو استقصاء أو كشف.
ترتبط، إذًا، الهيمنة الداخلية بأخرى خارجية حرّضت على تفريغ الساحات الثقافية من تراثها الحيّ والفاعل، و شجعت الأفراد على تبني مفاهيم ثقافية تتناقض وقيمهم الأساس، بهدف خلق قطيعة بين الإنسان العربيّ ومناقبه، وبالتالي تحويله عن أهدافه الوطنية والقومية، بغية التمهيد لاستعمار فكريّ، يبدأ بإغراءات تتصدع أمام أساليبها ووسائلها إرادة الممانعة والمقاومة، وينتهي بهجوم يشوّش الأفكار ويعطّل دور العقل في اتخاذ موقف حاسم ورياديّ، فتصاب الشخصية المعنوية بالتصدع والاضطراب، ويسيطر الانقسام الثقافيّ، وتتعزز المشاحنات الكلاميّة بين توابع تخلت عن حريتها الفكريّة، وقبلت أن تكون تابعًا، عاطفيًّا وذهنيًّا، وألغت من قاموسها الشك والسؤال والاستقصاء والتفكير النقديّ والحكم السليم، وهذا ما يسود معظم المستويات الثقافيّة العربيّة.
تكشف الدراسات والإحصاءات أنّ المجتمعات العربية تخضع لهيمنة اقتصادية ودينية وسياسية واجتماعية تتقاطع مصالحها في هيمنة ثقافية تسعى إلى تفكيك تكاملية البنية الثقافية العربية، وتهدد بفقدان الردع الإراديّ، والمناعة الطبيعية الذاتية، مما ينبئ بتسلل المحبطات المعنوية إلى الكلّ الثقافيّ، وإصابته بالتشويش والاضطراب والضعف والهوان والعجز عن القيام بدور تقييميّ وتقويميّ، لأنّ هشاشة المحتوى الثقافيّ، في هذه المرحلة من التاريخ، تهدد بالذوبان، وبإلغاء الهوية القوميّة، بالتخلي عن إرث ثقافي حيّ، من أجل استبداله بوافد استهلاكيّ، غايته اغتيال البنية المتماسكة للذاكرة الثقافية، فكل فعل ثقافي متكامل ونابع من منهجية تراثية تقابله وسائل الإعلام، والمنتديات الفكرية بالذم والرفض لأنها تخدم، عن قصد أو غير قصد، أهداف هجمة عالمية تستهدف اغتيال المنتج الفكريّ القابل للبقاء والاستمرار في الآتي، وتروج، في المقابل، لبضاعة هابطة في الشكل والنوع، وهذا بيّن في إقصاء معظم الأعمال الإبداعية وأصحابها، وسيطرة عصابات تتقن فن التسلق والمداهنة.
 تعمل المؤسسات الثقافية العالمية الكبرى على استغلال الأدمغة العربية، وعلى احتواء طاقاتهم الإبداعية،  وتسخيرها لمصلحة الغزو الفكريّ، في وقت تمارس فيه السلطات العربية، على المفكرين، أسوأ أنواع القمع والإرهاب، مما ينذر بتفريغ هذه المجتمعات من حركة عقلية نشطة وفاعلة، ويمهّد لتحويل أبناء هذه المنطقة إلى الحالة التي رسمتها وخططت لها الدولة الصهيونية، ليسهل استعبادهم و استخدامهم، ولقد ظهر ذلك واضحًا في قتل علماء العراق أو نفيهم، وبخاصة الذين رفضوا تسخير طاقاتهم لخدمة الغزو الفكريّ الأميريكيّ. 
مما لاشك فيه، أن شعوب هذه المنطقة أظهرت، عبر تاريخها الطويل، قدرة على النهوض والحراك والتحدي، والحياة الثقافية، وهي، اليوم، قادرة على تبني عملية تنشيط كمون البذرة الصالحة وقدحه بوافد ثقافي قادر على التفاعل، من أجل توليد حركات متوالية ترتد نحو التراث الثقافيّ في عملية استقصاء و فرز وفحص، وتوظيف ما هو صالح وقابل للحياة، وتلقيحه بالوافد الجيد بغية خلق بنية متكاملة يتقبلها العقل العربيّ، مما يساعد على توليد مسارات ثقافية تتمايز بخصائص قوميّة، وبرؤى إنسانية صالحة لكلّ زمان ومكان، وهذا، في رأيي، مشروط بالخروج على المألوف والراهن ورفض الهيمنة، فهل ستتغير الصورة الثقافية العربية في مرايا الواقع المستقبلية ؟ 
رابعًا: أسئلة الواقع في مرايا المستقبل 
 رسّخ الإنسان العربيّ في لحظات مضيئة من تاريخه مفهومًا شموليًّا للثقافة، وهو، اليوم، قادر على إعادة إنتاج التجربة الثقافيّة الشموليّة الكونيّة، إذا استطاع أن ينتصر على مغريات الغش والخداع والكذب والتلفيق، وأن يتحرّر من التبعية و الاستزلام، والهيمنة، ليرسّخ مكانها مبادئ الصدق والحق والعدل والمساواة والحرية، ويشارك في صياغة معنى شمولي لثقافة عربيّة قادرة على تحويل أهداف العولمة الثقافيّة من سلبية الإلغاء إلى فاعلية المشاركة.
  ينبئ مستقبل الثقافة العالمية بغياب شبه تام لدور عربيّ فاعل، لأنّ الساحات الثقافيّة العربيّة تجتاحها صراعات مفرّغة من المضامين والأهداف، علمًا أنّ هذه الساحات مازالت تنبض بوجود الأفراد القادرين على محاصرة الاجتياح وتحويله إلى صدمة تنبّه إلى مخاطر الانهيار، وتوقظ الوعي الجمعي القادر على تحفيز الطاقات و تفجير سكونية الإبداع العربي، ليتم التحريض على خلق حركة ثقافية، منطلقها اللحظات المضيئة في التراث، وجعلها محطات تؤسس لحركات مستقبلية تتجاوز الجهوزية وتلغي التبعية والارتهان، وتستعيد حصانة الفكر العربيّ وحريته وسيادته. 
يضمر التراث الثقافي العربي مخزونًا يحتاج إلى إحياء العناصر القابلة للتفاعل، وعملية الإحياء لا تكون إلاّ بعودة إلى المخزون الثقافيّ ونقده وتحليله وفرزه، ومن ثمّ خلق حوار نقدي_ موضوعي بين الأصالة التراثية و الذات العربيةّ، من جهة، ومع الآخر الوافد والمختلف في نظامه الفكريّ وأدوات مختبره الإنتاجي الثقافيّ، في الجهة الموازية، فيثمر الحوار مفهومًا ثقافيًّا يتجاوز تحقيق الحاجة، و يتخطى المفهوم الثقافي السائد ويطمح إلى مفهوم أكثر شمولية، فتكون العلاقة مع الموروث علاقة نقد وتأسيس، والعلاقة مع الآخر علاقة فحص وتمحيص، و يتكرس منتج المعادلات الحوارية النقدية الموضوعية حركة ثقافية تتسم بهوية قومية تكسب المنتج الفكري الجديد حضورًا معنويًّا على مسرح الثقافة العالمية، وتكون العلاقة مع الآخر المختلف علاقة متكافئة، من دون التطرف، سلبًا أو إيجابًا، وهذه العملية تحتاج إلى وعي تام بطبيعة العلاقة بيننا وبينه، ولقد عبّر جبران عن ذلك بقوله:" إن روح الغرب صديق وعدو لنا، صديق إذا تمكنا منه، وعدو إذا تمكنا منا، صديق إذا فتحنا له قلوبنا، وعدو إذا وهبناه قلوبنا، صديق إذا أخذنا منه ما يوافقنا، وعدو إذا وضعنا نفوسنا في الحالة التي توافقه"، وهذا الوعي ينتجه عقل فاعل وفعّال.
مما لاشك فيه أن التجربة الإبداعية لا تختمر موادها إلا بوجود الوسط الحافز، ووجود روّاد قادرين على التخلص من أشكال الهيمنة الداخلية والخارجية، وباستعادة العقل العربيّ سلطة الحَكَم والحاكم، فتختمر التجربة الإبداعيّة وتبشّر بنهضة جديدة، لأنّ النهضة الثقافية العربية في العصور الذهبية أثبتت أنّ الروّاد العرب الأوائل تنبهّوا إلى دور العقل في صياغة أشكال البنى الثقافية الصحيحة والسليمة، فالعقل كما قال الغزالي إنما يخرج بالقوة" إلى الفعل، بسبب عقل دائم هو الفعل"، إذ أنّ وجود العقل يتمظهر في صورة الفعل الخاضع لقدرة العقل الفعّال، هذا العقل الذي أدركنا به كما قال أبو بكر الرازي" جميع ما ينفعنا ويحسن ويطيب به عيشنا، ونصل إلى بغيتنا ومرادنا، وإذا كان هذا مقداره ومحله وخطره وجلالته، فحقيق علينا أن لا نحله من رتبته ولا ننزله عن درجته، ولا نجعله هو الحاكم محكومًا عليه، ولا هو الزمام مذمومًا، ولا هو المتبوع تابعًا، بل نرجع الأمور إليه، وتفسيرها به، ونعتمد فيها عليه، فنمضيها على إمضائه، ونوقفها على إيقافه" فإذ ساد العقل وساس، يستطيع المفكر العربي أن يتجاوز محنته الثقافية، ويبدأ رحلة الكشف عن عثرات الثقافة العربية وإظهار عللها ومحاسنها وتلقيحها بما يضمن لها السلامة والاستمرار والحياة، فتقوى المناعة الذاتية ويتحقق التحرر من هيمنة الآخر الداخلي والخارجي، ويتم التخلص من الغزو الفكريّ، وبالحرية يمارس المفكر العربيّ حضوره الإنساني الفاعل. 
تحتاج النهضة الثقافية إلى إحياء دور اللغة العربية، بوصف اللغة أداة التفكير والتعبير والنقل والتواصل، وعملية الإحياء مشروطة بتفعيل دورها القومي، وإعادتها إلى أصالتها وانبثاقها من كمونها وتحريرها من قوالبها الجامدة وبإعادة الحركة العلمية إليها، لأنّ إنتاج الثقافة الحقيقية لأمتنا العربية لا يكون هادفًا ومصححًا للواقع إلا بنهضة لغوية قادرة على توليد العلوم، والمعارف وتدريب الملكات والمهارات وصقل القدرات الفكرية ونقل التجارب ورسم أشكال المستقبل فتنشأ العلاقة الوجدانية المرتبطة بذاكرة الإنسان العربيّ، من جهة، وبحلمه المستقبلي الإنسانيّ، من جهة ثانية، متجاوزًا كلّ المعوقات التي اعتقلت فكره.
 إنّ عملية التوليد المجددة الخاضعة لسلطة العقل الفعّال، من شأنها أن ترسّخ مقومات ثقافة إبداعية، لها منهجية تقاس عليها العملية التعليمية ذات الأهداف الاجتماعية،  وتساعد على خلق حركة تواصلية، تهدف إلى فرض واقع حركيّ، يولّد تفاعلاً اجتماعيًّا وفكريًّا وحضاريًّا وإنسانيًّا، ويشجع على استنباط نظريات علمية تفتح مجال البحث العلميّ أمام الأجيال العربيّة، مما يساعدهم على تخطي المألوف وتجاوز أنساقه والتأسيس لمستقبل عربيّ قادر على خلق حركة إنسانية دائمة غايتها التغيير والتجديد، مع كل ما يفرض التغيير من إلغاء لتراكمات اجتماعية _ نفسية، وما يولده من رغبة في التخلص من الغوغائية والنفعية والشخصانيّة، ومن قدرة على تقويض السلطة القمعية، وإلغاء التبعية الفكريّة، فتحافظ المجتمعات العربيّة على نبضها الحياتي، وتحقق وجودها الدائم ضمن مسارات فكرية عالمية لا تنتهي.

خامسًا: نقطة على حرف
أثبت الواقع الثقافيّ أنّ المفكر العربي يحتاج إلى الكشف عن قدرة تتمرد على الواقع الراهن، وتتجاوزه إلى مستقبل مؤسس على ما ينتجه العقل، شريطة أن يقرن قدرته بالرغبة والعمل من أجل استعادة دوره في بناء هيكل الحضارة الإنسانية.
تفرض عملية الخلق الثقافيّ وجود الإنسان المبدع، بوصفه الحقيقة الأصل التي تفصح عن ذاتها من خلال اكتشافها بعض الأسرار المعرفية المنبثة في المرئيات والموجودات، لأنّ الذات المبدعة لا يتجوهر وجودها إلا في نتاج معرفي مرادف لمعنى رئيس في نسغ الحياة، حيث يتحدد موقع المبدع وإحداثياته من الحياة والكون، وهذه العملية الإبداعية تمنح البنية الثقافية طاقة توليد لها مفهوم شمولي غير قابل للتجزيء و الانشطار.
يستطيع المبدع العربي الخارج على أنواع الهيمنة، والمتحرر من أشكال القمع والصنمية أن يقبض على المجهول ويفككه ويحلله؛ ليصوغ من رحم الحضارة العربية أشكالاً جديدة للثقافة العربية، يتبنى إنتاجها العقل الحاكم، والرغبة المحرضة، والعمل المنتج،  فيؤسس لواقع عربيّ جديد قوامه مبادئ أولية تشجع الإنسان العربيّ على التحرر من الأنانية البغيضة، ومن الشعور بالدونية، وتدعوه لينتصر على ضعفه، ويجدد تراثه من تراثه، ويخلق ثقافة عربية ترتبط بالأصل بقدر ما تستطيع أن تكون فاعلة في فضاءات إنسانية، لا وجود فيها للتناحر العرقي أو الهيمنة الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية، فيتوحد مع أبناء الحياة بقيم ومبادئ لا تعترف بأشكال القمع والإرهاب، وتضمر كمون فعل حركي غايته رفض التبعية والاستسلام، والتسلح بحرية التفكير وما ينتجه من وعي علمي وقوميّ، يبشر بعودة الوجه الحضاري لأمتنا، وبالمحافظة على مقومات الهوية العربيّة، وبانبعاث ثقافة عقلانية تطمح إلى مستوى أكثر رسوخًا وإشراقًا وشمولية.
أ.د. مها خيربك ناصر
الجامعة اللبنانية/أستاذة الدراسات العليا
اتحاد الكتاب اللبنانيين/ أمينة الشؤون الإداريّة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق